ابن الجوزي
90
صيد الخاطر
إلى ما لا بد منه ، فتارة يقال للخليل عليه السلام : اذبح ولدك بيدك ، واقطع ثمرة فؤادك بكفك ثم قم إلى المنجنيق لترمى في النار . وتارة يقال لموسى عليه السلام : صم شهرا ليلا ونهارا ، ثم يقال للغضبان : اكظم ، وللبصير : اغضض ، ولذي المقول : اصمت ، ولمستلذ النوم : تهجد ، ولمن مات حبيبه : اصبر ، ولمن أصيب في بدنه : اشكر ، وللواقف في الجهاد بين اثنين : لا يحل أن نفر . ثم اعلم أن الموت يأتي بأصعب المرارات فينزع الروح عن البدن ، فإذا نزل فاثبت ، واعلم أنك ممزق في القبر فلا تتسخط لأنه مما يجرى به القدر وإن وقع بك مرض فلا تشك إلى الخلق ، فهل للملائكة من هذه الأشياء شيء ؟ وهل ثم إلا عبادة ساذجة ليس فيها مقاومة طبع ، ولا رد هوى ، وهل هي إلا عبادة صورية بين ركوع وسجود وتسبيح ، فأين عبادتهم المعنوية من عبادتنا ؟ ثم أكثرهم في خدمتنا بين كتبة علينا ، ودافعين عنا ، ومسخرين لارسال الريح والمطر ، وأكبر وظائفهم الاستغفار لنا ، فكيف يفضلون علينا بلا علة ظاهرة ، أما حكّت على محك التجارب ومنهم هاروت وماروت ، فخرجوا أقبح من بهرج « 1 » ، ولا تظنن أني أعتقد في تعبد الملائكة نوع تقصير ، لأنهم شديد والاشفاق والخوف ، لعلمهم بعظمة الخالق ، لكن طمأنينة من لم يخطئ تقوّي نفسه ، وانزعاج الغائص في الزلل يرقي روحه إلى التراقي ، فاعرفوا اخواني شرف أقداركم وصونوا جواهركم عن تدنيسها بلوم الذنوب ، فأنتم معرض الفضل على الملائكة فاحذروا أن تحطكم الذنوب إلى حضيض البهائم ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . 43 - النجاة في التسليم رأيت كثيرا من الخلق وعالما من العلماء ، لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء التي أمروا بعلم جلها ، ومن غير بحث عن حقائقها كالروح مثلا ؛ فاللّه تعالى سترها بقوله : « قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي » فلم يقنعوا . وأخذوا يبحثون عن ماهيتها ولا يقعون بشيء ، ولا يثبت لأحد منهم برهان على ما يدعيه ، وكذلك العقل . فإنه موجود بلا شك ، كما أن الروح موجودة بلا شك ؛ كلاهما يعرف بآثاره
--> ( 1 ) هاروت وماروت عند كثير من المفسرين لم يكونا من الملائكة ، يؤيد هذا قراءة « الملكين » بكسر اللام . وما أدري كيف يصفهم المؤلف بمثل هذا واللّه يصفهم بأنهم عباد مكرمون ؟ وهذه أمور سمعية لا مجال للعقل فيها ولم يرد فيها نص صريح ، والسكوت عن الكلام فيها أولى .